الحكيم الترمذي

72

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ المؤمنون : 108 ] . فخرست الألسن ، ونزعت الصور منهم ، وأطبقت النيران ، وسدت الأبواب ، ورمي بالنسيان عليهم ، فصارت النيران والكفار كأنهم لم يخلقوا ، ولم يكن للّه خلق أشرك به قط ولا عصاه تمردا ، وأقبل على أهل الجنان بذلك الفرح الذي كان في البدء ، فهنالك دعاهم إلى الزيادة ، وناداهم إلى الروح الأمين من بطنان العرش : يا أهل السعادة يا أحباب الرحمن يا معشر الموحّدين إن هذا يوم الجمعة ، وإن الرحمن يدعوكم إلى زيارته ؛ لتنظروا إلى معبودكم ، فتتمتعوا بكلامه ، وتقرّ أعينكم بمقاصدكم أيام عبودتكم ، وتتلذّذوا بالنظر إلى جلاله وجماله . فعند ذلك يشتغل أهل الجنان بالرحمن شغلا يذهلون به عن الجنان ، ويشتغل أهل النار في النار بغضب الجبار شغلا يذهلون به عن الدنيا والمعارف حتى يتساءلوا : أتدرون أين كنا ؟ ومن أين جئنا ؟ فلا يذكرون ذلك ، ونظرنا فإذا الدنيا سبعة آلاف سنة فيما أتت به الروايات . حدثنا بذلك أبي - رحمه اللّه - ، حدثنا مالك بن سليمان الهروي عن يزيد بن عطاء عن أبي سنان عن الضحّاك عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : « الدنيا سبعة آلاف سنة « 1 » ، مضى منها ستة آلاف سنة » ، ثم تلا قوله : « اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ الحشر : 18 ] . ثم قال في تنزيله : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : 73 ] ، فأخبرنا أن هذا لم يكن بعد ، وأنه سيكون بقوله : يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [ الأنعام : 73 ] في مبتدئه ، ثم يمد في مقداره خمسين ألف سنة ، فألف سنة في النفخ والبعث والحشر ، ويبقي تسعة وأربعين ألفا ، وهي سبع مرات سبعة آلاف سنة ، مقدار الدنيا سبع مرات هم في الحساب في الموقف وقبض الجزاء في الجنة ، والأعداء في الإضراب والاستغاثة والنداء والعويل والخصام والتبرّي بعضا من بعض ، والإقبال باللوم ، والعذل حتى تنقضي مقدار الدنيا سبع مرات ، فتأتي الجمعة يوم السابع ، فيزورون معبودهم حتى تقرّ عيونهم بمن عبدوه .

--> ( 1 ) هذا القسم من الحديث رواه الحاكم في المستدرك ، ذكر نبي اللّه وروحه . . ، حديث رقم ( 4171 ) [ 2 / 654 ] ونصه : عن ابن عباس رضي اللّه عنها قال قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة » وروى هذا الأثر غير الحاكم .